عبد الكريم الخطيب
1142
التفسير القرآنى للقرآن
ولم يجر ذكر هنا لبنى إسرائيل ، وإنما جئ بضمير الغيبة عنهم بدلا منهم ، إشعارا لما كان عليه القوم من عناد ، وخلاف ، ومكر بآيات اللّه ، حتى لكأنهم - وهم يسمعون آيات اللّه ، ويرون المعجزات التي يطلع بها عليهم موسى - غائبون غير حاضرين ، لما في قلوبهم من قسوة ، وما في طبائعهم من التواء . قوله تعالى : « وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ » هو معطوف على قوله تعالى : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » . . أي آتينا موسى الكتاب ، وجعلنا ابن مريم وأمّه آية . . لبنى إسرائيل لعلهم يهتدون ، وذلك أن عيسى عليه السلام هو رسول إلى بني إسرائيل ، وآية من آيات اللّه فيهم . . وتلك الآيات القاهرة المتتابعة ، هي مظاهرة لحجة اللّه على هؤلاء القوم ، حتى إذا لم يستجيبوا لها ، كان العذاب الواقع بهم أضعافا مضاعفة ، لما يحلّ بغيرهم من عباد اللّه . وفي الإشارة إلى عيسى عليه السلام بقوله تعالى : « ابْنَ مَرْيَمَ » إشارة إلى النسب الصحيح له . . وهو أنه ابن أمّه مريم . . وليس ابن إله كما يدّعى النّصارى ، ولا ابن زنا كما يفترى اليهود . . « إنه ابن مريم » ! وقد اختلف في الربوة - وهي المكان المرتفع من الأرض - التي آوى اللّه سبحانه وتعالى ، إليها ابن مريم وأمّه . . والراجح عندنا أنها مصر . . التي جاء إليها المسيح طفلا محمولا على صدر أمه ، مع زوجها يوسف النّجار . . وذلك حين أوحى اللّه إلى مريم أن تهرب بوليدها إلى مصر ، خوفا عليه من الحاكم الروماني ، الذي طلبه ليقتله ، حين سمع بمولده . . كما يحدّث بذلك إنجيل متّى .